فخر الدين الرازي
743
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
واعلم أنه لا يمكن تفسير الشاكر والكفور بمن يكون مشتغلا بفعل الشكر وفعل الكفران وإلا لم يتحقق الحصر ، بل المراد من الشاكر الذي يكون مقرا معترفا بوجوب شكر خالقه عليه والمراد من الكفور الذي لا يقر بوجوب الشكر عليه ، إما لأنه ينكر الخالق أو لأنه وإن كان يثبته لكنه ينكر وجوب الشكر عليه ، وحينئذ يتحقق الحصر وهو أن المكلف ، إما أن يكون شاكرا وإما أن يكون كفورا ، واعلم أن الخوارج احتجوا بهذه الآية على أنه لا واسطة بين المطيع والكافر ، قالوا : لأن الشاكر هو المطيع ، والكفور هو الكافر ، واللّه تعالى نفى الواسطة وذلك يقتضي أن يكون كل ذنب كفرا ، وأن يكون كل مذنب كافرا ، واعلم أن البيان الذي لخصناه يدفع هذا الإشكال ، فإنه ليس المراد من الشاكر الذي يكون مشتغلا بفعل الشكر فإن ذلك باطل طردا وعكسا ، أما الطرد فلأن اليهودي قد يكون شاكرا لربه مع أنه لا يكون مطيعا لربه ، والفاسق قد يكون شاكرا لربه ، مع أنه لا يكون مطيعا لربه ، وأما العكس فلأن المؤمن قد لا يكون مشتغلا بالشكر ولا بالكفران ، بل يكون ساكنا غافلا عنهما ، فثبت أنه لا يمكن تفسير الشاكر بذلك ، بل لا بد وأن يفسر الشاكر بمن يقر بوجوب الشكر والكفور بمن لا يقر بذلك ، وحينئذ يثبت الحصر ، ويسقط سؤالهم بالكلية واللّه أعلم . [ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 4 إلى 5 ] إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً ( 4 ) إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً ( 5 ) قوله تعالى : إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً . اعلم أنه تعالى لما ذكر الفريقين أتبعهما بالوعيد والوعد ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : الاعتداد هو إعداد الشيء حتى يكون عتيدا حاضرا متى احتيج إليه ، كقوله تعالى : هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ [ ق : 23 ] وأما السلاسل فتشد بها أرجلهم ، وأما الأغلال فتشد بها أيديهم إلى رقابهم ، وأما السعير فهو النار التي تسعر عليهم فتوقد فيكونون حطبا لها ، وهذا من أغلظ أنواع الترهيب والتخويف . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الجحيم بسلاسلها وأغلالها مخلوقة ، لأن قوله تعالى : أَعْتَدْنا إخبار عن الماضي ، قال القاضي : إنه لما توعد بذلك على التحقيق صار كأنه موجود ، قلنا : هذا الذي ذكرتم ترك للظاهر فلا يصار إليه إلا لضرورة . المسألة الثالثة : قرئ ( سلاسلا ) بالتنوين ، وكذلك قَوارِيرَا * قَوارِيرَا [ الإنسان : 15 ، 16 ] ومنهم من يصل بغير تنوين ، ويقف بالألف فلمن نون وصرف وجهان أحدهما : أن الأخفش قال : قد سمعنا من العرب صرف جميع ما لا ينصرف ، قال : وهذا لغة الشعراء لأنهم اضطروا إليه في الشعر فصرفوه ، فجرت ألسنتهم على ذلك الثاني : أن هذه الجموع أشبهت الآحاد ، لأنهم قالوا صواحبات يوسف ، فلما جمعوه جمع الآحاد المنصرفة جعلوها في حكمها فصرفوها ، وأما من ترك الصرف فإنه جعله كقوله : لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ [ الحج : 40 ] وأما إلحاق الألف في الوقف فهو كإلحاقها في قوله : الظُّنُونَا [ الأحزاب : 10 ] و الرَّسُولَا [ الأحزاب : 66 ] و السَّبِيلَا [ الأحزاب : 67 ] فيشبه ذلك بالإطلاق في القوافي . ثم إنه تعالى ذكر ما أعد للشاكرين الموحدين فقال : إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً الأبرار جمع بر ، كالأرباب جمع رب ، والقول في حقيقة البر قد تقدم في تفسير قوله تعالى : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ